الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

صوت من فصيلة التنور


صوتٌ من فصيلة التنور .
الصورة : قاريء المقام (عبد الرحيم الأعظمي) 1939 _ 1991م .
المقال : عبد الرحيم شهاب الأعظمي.. هو ليس إبن المطرب المقامي المخضرم (شهاب الاعظمي) ولكنه أحد أقربائه.. إنه مطرب المقام العراقي عبد الرحيم الاعظمي، صاحب الصوت الجميل.. الذي أعطى للمقام العراقي جلّ حياته.. عشق هذا الفن بقوة، حفلات كثيرة، في الإذاعة والتلفزيون والمُتحف البغدادي والبيوت البغدادية العريقة.. لكن القدر لم يُمْهله كثيراً.. لقد أصاب صوت عبد الرحيم الاعظمي الخراب وهو في ذروة عطائه المقامي الذي دام عشر سنوات على الصعيد الرسمي.. فقد سجل أول مقام له في اذاعة بغداد عام 1972 وكان مقام الحديدي.. واصيب بجلطة دماغية كادت أن تودي بحياته عام 1982.. ولكنَّه كابرَ طيلة َتسع ِسنواتٍ أُخرى يُغنّي دون إثارة تُذْكر، وعزاؤه في ذلك حبُّه الكبير وتعلّقه بهذا التراث الخالد.. ولد مطرب المقام العراقي عبد الرحيم الأعظمي في قضاء الأعظمية من بغداد عام 1939.. ووافته المنية فجر السادس والعشرين من آذار عام 1991، الموافق العاشر من رمضان المبارك عام 1411 ه في ظروف عصيبة جداً كان يمرُّ بها بلدُنا العراق بعد الإعتداء السافر وضربه عسكرياً من قبل وحوش البشرية ومجرميها أمريكا وبريطانيا واذنابهما الجبناء . نشأ عبد الرحيم الاعظمي في بيئة مقامية محافظة على الدين والتراث، ومنذ البداية عاش أجواء أداء الشعائر الدينية ثم مارسها بكثرة مع أشهر الملالي المعروفين في هذا المجال.. قارئاً للمنقبة النبوية الشريفة مع الملا الذي يقود ديباجة المنقبة، حيث أدرك الحافظ مهدي والملا عبد الستار الطيار والملا بدر الأعظمي والملا عبد الرزاق الأعظمي (إرزوقي ابو هالة)، ولعل أكثرَهم مرافقة كانت للملا حمودي (عبد الحميد رشيد العبيدي أبي سعد) وغيرهم الكثير . ما هو جدير بالذكر، كحدث فني في الوسط المقامي، من حيث ندرته أو اهميته، هو أن عقد السبعينات من القرن العشرين، لم يظهر فيه مطربون مقاميون جدد على الصعيد الرسمي غير أربعة مقاميين لا خامسَ لهم.. والملاحظ في هذا الأمر أنَ هؤلاء الأربعة كلهم من .الأعظمية ..! وهم حسب تسلسل ظهورهم، عبد الرحيم شهاب الأعظمي عام 1972.. وحسين إسماعيل الأعظمي عام 1974 رغم بدايته في المتحف البغدادي مطلع عام 1973.. وسعد عبد الحميد الأعظمي عام 1977.. وأخيراً فاروق قاسم الأعظمي عام 1978..!! بعد النجاح الكبير الذي صادَفتهُ مقهى المتحف البغدادي في بداية السبعينات بإدارة المرحوم حمزة السعداوي، ومن ثم إنتهاء عقده الذي دام أكثر من سنتين فيما أعتقد، عكفت إدارة المتحف البغدادي بعد مضي بضع سنين، أن تفتتح هذه المقهى بنفسها دون تأجيرها للآخرين.. وهكذا قامت دائرة المتحف البغدادي بتعيين مجموعة من مطربي المقام العراقي مع فرقة موسيقية للجالغي البغدادي بصفة رسمية، بأُجور شهرية (رواتب) فيها ضمان إجتماعي بعد التقاعد، ثم إستأنفت إدارة المتحف حفلاتها التي دامت عدة سنوات.. وكان من بين هؤلاء المطربين المُعَيَّنين من قبل إدارة المتحف البغدادي المطرب عبد الرحيم الأعظمي وكذلك عبد الرحمن العزاوي وعلي إرزوقي ومحمد العاشق وأبو عبد البغدادي وحسن البناء وآخرين غيرهم.. تأثّر عبد الرحيم الاعظمي في غنائه للمقام العراقي بأُسلوب سلفه ومعاصره المطرب الكبير يوسف عمر.. الذي سيطر على كل ذوقه وجمالياته الادائية، ولكن عبد الرحيم الاعظمي إمتاز بصوت جميل وقوي قلَّ نظيرُه، من فصيلة (التنور) وكثيراً ما كنتُ أُشاركه في قراءة المنقبة النبوية الشريفة مطلع السبعينات.. لكنني لم أتخذها مصيراً لعملي الفني، فقد هجرتها عام 1975 بعد أن بدأت أُسَجِّل المقامات العراقية في تلفزيون بغداد وتعرض للجمهور، فلم أستمر في ممارستها أكثر من خمس سنوات.. ستبقى بعض الدقائق المعدودات، خالدة في خيالي وتأمّلاتي عندما إستمعت يوماً في المتحف البغدادي مطلع السبعينات الى مقام السيكاه وهو يُغَنّى من قبل ثلاثة مطربين للمقام العراقي في تجربة مقامية لغرض التنويع الذوقي والجمالي في غناء المقامات العراقية، وقد كان هؤلاء الثلاثة، عبد الرحيم الاعظمي وحمزة السعداوي وحسن البناء، وقد تم توزيع الجمل الغنائية حسب طبقاتها، في القرار والجواب أو أعلى من الجواب، الى كل من المطربين الثلاثة وحسب إمكانية طبقة صوت كلٍّ منهم في الغناء.. على كل حال، إنَّ ما يَهُمّنا في هذا الموضوع، هو سماعي لعتابة – السلمك - وهي إحدى محطات مقام السيكاه، بصوت عبد الرحيم الاعظمي وهي بطبقة عالية على درجة جواب السيكاه..! وقد أجاد بها عبد الرحيم الاعظمي وتجلَّى في تعابيرها بجمال تعبيري يفوق التصور، والغريب انه لم يسبق لي أن سمعتها من قبل، أو لم أنتبه إليها، وكذلك لم يصادف أن سمعتها مرَّة أُخرى من غيرعبد الرحيم الاعظمي في هذه الليلة حتى هذا اليوم، وبمثل هذه الاجادة والتعابير الجميلة التي حافظ عليها عبد الرحيم رغم طبقتها الصوتية العالية على جواب السيكاه، ولكنني حفظتها تماماً منذ ذلك اليوم رغم إستماعي لها لمرَّة واحدة ولكنها مرَّة كانت مؤثرة الى الآن وكأنني أستمع إليها في خيالي وتأمّلاتي وأحلامي في أي لحظة أتذكرها حتى اليوم.. لقد كان عبد الرحيم الأعظمي، يحاول أن يصفَ لنا من خلال مقاماته وأغانيه التراثية الكثيرة، طبيعة الحياة التي عاشتها … التي وصل فيها الى أعلى درجات التعبير المقامي، و قد تعاظم حضورُه الفنّي و الشَّخصي في المجتمع لفترة لم تكن طويلة من حياته.، حيث لم يقدَّر لها أن تدوم أكثر من عقد من السنين!! ومن ناحية أُخرى فإنَّ غناء عبد الرحيم الاعظمي سواء على صعيد المقام أو الاغنية التراثية، كان فيها يحاول أن يكشفَ النقاب عن عالم تعبيري بيئي حالم يعكس حياته البسيطة وزهوها وهو في ذروة نجاحاته الادائية و تأثيرها الكبير في المجتمع البغدادي على وجه التخصيص … وهو ما نجح فيه أيَّما نجاح، و بهذه الدلالات و الإشارات يتوضَّحُ لنا أنَّ عبد الرحيم الاعظمي على إدراك وإحساس واعييْن بإمكانيّات المؤدّين الغنائيّين المقاميّين المُعاصرين له … وكذلك نرى أنَّ مقاماته وأغانيه التراثية الرائعة ما هي إلا إنعكاسٌ تلقائيٌّ للأعمال ِالأصيلة الأُخرى … إنَّ هذه الإشارات الفنية في إمكانيّات عبد الرحيم الأعظمي الذي رغب دوماً في تطويرها … هذا التطور الذي يبتغيه، يشيرُ من جانبٍ آخر الى 
شخصيَّته وحضوره النافذ في الوسط المقامي البغدادي




 

ليست هناك تعليقات:

أحدث مقال

[بعد ثلاثة عقود على وفاته] ماذا عن عوسي الضاحك أبدا ؟

  [بعد ثلاثة عقود على وفاته] ماذا عن عوسي الضاحك أبدا ؟ الصورة : عوسي الأعظمي على إحدى الصحف الإنگليزية ، منتصف الأربعينات . المقال : جاسم م...